صديقتي عزيزة
أتعلمين ما الذي يؤرقني يا عزيزة؟
يؤرقني كل هذا الوجود, انتقالنا من مرحلة الى أخرى دون خطوط واضحة. لا يوجد خط زمني أو فاصلٌ واضح يقول لنا :"لقد قطعت تلك المرحلة, ودعها الآن بينما الفرصة تسمح لك."
تلازمني تلك الفكرة, أقوم وأقعد وهي تحوم في رأسي.
أشدّ تارةً على الحبل الذي تفتّت واهترأ, وتارةً أرميه من يدي. من الصعب أن تكونَ من الذين يؤمنون بشيء وسْطَ مجموعة تؤمن بعكسه.
ما بين يومٍ وآخر, تجدين أنّك قد انتقلت من مرحلةٍ كنتِ فيها الأقوى, إلى بعضٍ من التيه والضياع. تقومين بحفظ تقدمك, تكتبين على ورقةٍ تخفينها عن الآخرين :"بتاريخ كذا و كذا, اكتشفت أنني تغيرت, رأيت ماضيًا يمرّ أمامي وتجاهلته."
لكنّ هذه الحياة ليس لعبة رقمية, ولسنا في عالمٍ افتراضي. لا يمكنك يا عزيزة أن تعودي لذلك الماضي ولا أظنّ أنّه بإمكانك تذكر ما كنتِ عليه في ذلك الوقت.
تراكمت تجاربك على قلّتها, تراكمت أيامكِ وجعلت منكِ شخصًا آخر, جعلت منك شخصًا لا يبكي لرؤية ولدٍ يعانق والده الذي عاد لتوّه من رحلة عسكرية, فقد علمتِ أنه كان يقتل أطفالاً بعمر ابنه, طولهم لا يقل عن طول ولده, لكن لون بشرتهم داكن أكثر, وهم سكان دول عالمٍ ثالث, لا يستحقون منه تفكيرا حتى.
كبرتِ وصار لديك وقتٌ مخصص للعناية ببشرتك, ولا يُمكن إهمال الواقي من الشمس, لأنّك ترين آثار الشمس على خديك. وعلى الوتيرة ذاتها, صرتِ تفضلين الأماكن التي لا تشغل موسيقى, ولا يرتادها زوارها إلّا للعمل على حواسيبهم بعيداً عن ضجيج المنزل والشارع ومقاهي الجامعة.
سنةٌ واحدةٌ مرّت, وإذ بك لا تقبلين التنازل يا عزيزة, رأيتُ ذلك حينما وقفتِ بوجهِ شخصٍ قال لك ملاحظة ذكورية مقززة. تفاجأت من ردّك يومها, فرحتُ لأنك لم تقبلي بالصمت, فَقد اعتدتُ عليك بعيدةً عن المواجهة, تفضلين الجلوس بغضبك على أن تدخلي في نقاش قد تخسرينه. كنتِ, كلّما حاولتُ تشجيعك على الردّ وتنفيسِ بعضٍ من غضبك, (يجب أن تكوني شجاعة) تردّين عليّ بهدوء :" قمتُ بأداء فحصٍ على الانترنت, تبيّن أنني شخصٌ لديه fear of confrontation, يعني خوفٌ من المواجهة." وعندما شرحتُ لكِ أن معظم هذه الأمور هي مجرّد تخاريف أناسٍ على الانترنت, أخبرتني بأنّني محقة. أظنّ أنك لم تقتنعي, أكنتِ تتفادين الجدال معي أيضا؟
ما علينا, أرى اليوم التغيّر هذا كلّه يا عزيزة, وأحنّ للمرحلة التي سبقت هذا التغيّر, ليس حنينًا مني لخوفك, بل فقط لأخبر عزيزة القديمة عن تغيّرات تحصل في حالي أنا اليوم, من دون أن تجادلني حول ترددي ومخاوفي وتقولَ لي:" يجبُ أن تكوني شجاعة."
.jpg)
Comments
Post a Comment