عودةٌ إليها

      

 أعود إليها, أماكن زرتها مراتٍ  لا تحصى، أماكن كانت لي بيتاً ثانياً. أقف أمام مرآة رأت كل تغيراتي، في غرفةٍ طبعت في ذاكرتي بكلّ تفاصيلها.

أصلّي في الغرفة التي نمتُ فيها مرّاتٍ عديدة. أنظر الى الشباك الكبير المحفور في الحائط، حيث كنا نختبئ من أهلنا. شباكٌ رأيت فيه و منه حياةً أخرى، حياةً لا أستطيع تمييزها الآن.

من كانت تلك الطفلة؟ من كانت تلك الفتاة التي لا أذكر عنها سوى القليل؟ ولمَ تباغتني ذكرياتها فجأة؟ تلك ليست انا. لا أظنني كنتُ يوماً أجلس في هذه الغرفة وأحس بالطمأنينة والسكون. كيف تحوّل شعوري من محبة لهذه الجدران، إلى شعورٍ بالاختناق كلما خطوت بينها؟

لماذا كنت أظنّ أن سقف الغرفة عالٍ جداً؟ لماذا كنت أرى المكان أوسع مما هو عليه في الحقيقة؟ إنه سقفٌ عاديّ, ولا تزال المروحة العتيقة مشدودةً إليه, لم تقع, رغم المرات العديدة التي جلستُ تحتها أحسب لها أنفاسها الأخيرة.

أقف في وقت الآذان, في المكان حيث اعتادت جدتي أن تصلي. لمْ تعُد هنا, ولم يعُد أحدٌ يصلي في هذه القطعة من الممر. الرواق خالٍ من حركتها ذهاباً وإياباً لتتوضأ وتفرش سجادتها.

 أفكّر بأن أصلي مكانها في المرة المقبلة, هل سيمنعني أحد؟ هل سينتبه أحد إلى هذا التعدي على مكانها؟ أين ثوب صلاتها؟ أين سجادتها يا ترى؟

آخذ خطوتين, وأقف أمام بابها, لا أجرؤ على فتح الباب. أين شجاعتي الآن؟ لمَ لا أستطيع أن أدفع بذلك الباب وأدخل؟ إنها مجرّد غرفة عادية, فيها خزانةٌ وسرير وأشياء عادية. أعلم أن هنالك صورةً معلقةً على الحائط, وأنّ تحتها علّاقة تحمل ثوب جدي وعقاله, وسيفاً ضخماً قديماً على الطرف. أثواب جدتي المنقشة لا بدّ في الخزانة. 

يمكنني أن أحرك المقبض قليلا و أسترق النظر. لكنّ شيئاً ما يمنعني: ماذا لو أن أحداً أزاح الثياب؟ وماذا لو أنّ السيف العملاق هو مجرد سيفٍ عاديّ كبُرَ في عين ذاكرتي؟ ماذا لو أن الغبار تكدس في الزاوية حيث كانت جدتي تضع الفراش؟ وكيف أفتح الباب وأدخل الغرفة وأنا أعلم أن جدي لن يناولني كيس زبيب اشتراه و أخفاه لي خصيصاً؟

أعود خطوةً وأخرى, لا أجرؤ على كسر تلك الذكريات المصبوبة في قالبٍ لا يحتمل التغيير.

قد أكون مخطئةً, وقد يكون السيف صدئاً وبيته من جلدٍ صناعي مهترئ. وقد تكون أثواب جدتي عادية وبسيطة, وليست أفخر وأنعم قماشٍ في الدنيا. وقد تكون هذه الغرفة أيضاً أصغر مما أذكرها, كالغرفة المجاورة التي هربت منها منذ دقائق خلت.

ربما أرى الدنيا من منظور رومنسي أكثر من اللازم, أو أنني وضعت غطاءً على ذكرياتٍ لا تمتّ الى الجمال بِصلةٍ. لكنّ ذلك أسهل من أن أواجه الواقع الباهت, وأتذكر الشقوق في الحائط والثقوب في السجادة العتيقة. 

قد يكون هذا خطأً, ولكن... لدي سؤال: هل هناك من يمنعني؟



Comments

Popular posts from this blog

هل تقرأ؟

I've been thinking about you.